صداقة مشروطة
معاش الشهيد
كنا جميعا اصدقاء ما نقضيه معا من ساعات يومنا كان اكثر بكثير مما نقضيه في بيوتنا نجلس سويا نلعب سويا نمشي سويا ( نصيع ) سويا لا يكاد يفرقنا شيء إلا النوم كنا نرسم معا لوحة لرجل واحد زكي وغبي غني وفقير سعيد وتعيس روح واحدة توزعت على عدة اجساد حتى جاء اليوم الذي أخذ فيه سيارة أبيه - كنا معا قبلها بدقائق - ليحضر له شيئا من بلدة مجاورة " لن أتأخر سأعود سريعا انتظروني " كنا في انتظاره حين سمعنا خبرا ان شابا قد اصطدمت سيارته بسيارة نقل كبيره عندها اقترح احدنا ان نتصل به لنطمئن عليه ربما -لا قدر الله - يكون هو ذلك الشاب .
اتصلنا به واجابت اخته " انه في المستشفى لقد صدمته سيارة نقل كبيرة " وقع الخبر على سمعنا كالصاعقة ذهبنا جميعا إلى المستشفى و حين استفسرنا عن حالته علمنا انه قد ارتطمت رأسه بمقود السيارة من تأثير صدمة السيارة له " هو الآن في غيبوبة إدعوا له " - هكذا قالت والدته والدموع تتحجر في عينيها - ظل في غيبوبته خمسة أشهر كنا خلالها نتناوب على الذهاب للمستشفى لزيارته كنا نساعد والده في قضاء حاجاته فهو ولده الوحيد بعد وفاة ولده الأكبر في حادث سيارة ايضا العام الماضي كنا نرى الخوف في عيون الرجل كنا نسمع قلبه حين ينظر إلينا يناجي ربه " لماذا يا رب لماذا ابني انا بالذات ؟ " .
و في يوم اتصل بي احدهم واخبرني انه قد أفاق من غيبوبته ذهبنا جميعا على وجوهنا ملامح سعادة لم تدم حين رأيناه فهو لا يمشي جيدا ولا يتكلم جيدا بل إنه احيانا لا يتذكرنا خرج من المستشفى و ظللنا معه حتى غلبه النعاس تركناه واجتمعنا في بيت احدنا لا نتحدث و لكن فقط نتبادل النظرات نظرات حزينة على حال صديقنا كنا نتابع معه جلسات العلاج الطبيعي نهتم به .
بدأ اهتمامنا يفتر شيئا فشيئا حين ادركنا ان صديقنا لن يعود ابدا لحالته الطبيعية نعم تحسنت حالته كثيرا فهو الآن يمشي جيدا ويتحدث بطريقة جيدة لكن حالته العقلية لم تكن جيدا فقد اثرت الحادثة على رأسه بشكل كبير اصبحت تصرفاته غريبة بعض الشيء اصبحنا لا نحتملها أصبحنا نتجاهله ونتهرب منه تماما كما يبتر الرجل ذراعه المصاب حتى لا يأثر على باقي جسده .
ثم عدنا لحالنا القديم ولكن بدونه نجلس سويا نلعب سويا نمشي سويا ( نصيع ) سويا .. عدنا وبيننا اتفاق ضمني نصه اذا اصيب منا عضو فبتره أولى .
هذه القصة مأخوذة من أحداث حقيقة .
بدأ اهتمامنا يفتر شيئا فشيئا حين ادركنا ان صديقنا لن يعود ابدا لحالته الطبيعية نعم تحسنت حالته كثيرا فهو الآن يمشي جيدا ويتحدث بطريقة جيدة لكن حالته العقلية لم تكن جيدا فقد اثرت الحادثة على رأسه بشكل كبير اصبحت تصرفاته غريبة بعض الشيء اصبحنا لا نحتملها أصبحنا نتجاهله ونتهرب منه تماما كما يبتر الرجل ذراعه المصاب حتى لا يأثر على باقي جسده .
معاش الشهيد
عندما خرجت من منزلها كان الوقت قد تأخر كانت تردد محدثة نفسها "الله يخرب بيت الثورة و الزفت ما احنا كنا عايشين في أمان" لم تكن تشعر بالأمان كانت تنظر يمينا ويسارا تترقب أن يخرج عليها احد البلطجية في أي لحظة فجأة تجمدت ملامح وجهها و توقف عقلها عن التفكير عندما رأت اشباحا تقف في الظلام عند ناصية الشارع سرى الرعب من جسدها النحيف إلى البيوت حتى إنك تكاد تراها تهتز مع كل رجفة من رجفات يديها المتجمدتين لا تعرف إذا كان سبب ذلك الإرتجاف الرعب أم برودة الجو.. - إنهم مجموعة من الشباب منهم من يمسك في يده عصا او قطعة حديد - " اعمل ايه يا رب استر" رفعت رأسها إلى السماء و ناجت ربها بهذه الكلمات القليلة لم تفكر كثيرا فقررت الإنسحاب في هدوء لم تكد تلتفت حتى سمعت صوتا كان وقعه على آذانها كالرعد "انتي يا اللي هناك انتي مين ورايحة فين " حاولت الهرب لكنها لم تكن لتسبق تلك الدراجة النارية التي تلاحقها توقفت واسلمت امرها لله اقترب منها احدهم لا تكاد ترى ملامح وجهة في هذا الظلام تحدث اليها في ادب اذابت نبرة صوته جليد الرعب الذي كان على وجها " حضرتك رايحة فين ؟ " عندما اقترب منها تعرفت عليه إنه احمد طالب الثانوي صديق اخوها عمر سألته " ايه اللي موقفكم هنا وايه اللي في ايدك ده ؟ " اجابها "دي لجنة شعبية " " يعني ايه؟ " اجاب " احنا واقفين هنا علشان البلطجية اللي بيقولوا عليهم .. المهم انتي رايحة فين ؟ " ردت " عمر اخويا ما رجعش من ساعة ما خرج يصلي الجمعة و انا وامي قلقانين عليه قوي ومش عارفين نعمل ايه ؟ " قال لها وقد بدت ملامح القلق على وجهه "خليكي واحنا هنروح ندور عليه " استمر البحث عدة ايام دون فائدة و كل دقيقة تمر يغيب الأمل شيئا فشيئا .. تتابعان الأحداث على شاشة التلفاز تسردان معا ذكريات حزينة تلعنان اليوم الذي دخل فيه هذا الجهاز الملعون إلى البيت تلعنان الفيس بوك تلعنان الثورة التي اضاعت "رجل البيت" حتى دق جرس الباب يوما و دق معه قلب الأم " عمر ابني !! افتحي بسرعة " فتحت الباب وإذ باحمد -يقف مغموسا في حزن لا تكاد تظهر ملامح وجهه من وراءه "احمد ! مالك فيه ايه ؟! " اجابها " لقينا عمر- من ملامح وجهه ادركت ان اخاها لم يكن بخير لقيناه في مشرحة زينهم " كانتا تعلمان جيدا انه هذا ما سيحدث ولكن وقع المفاجأة كان اقوى من كل توقعاتهما سقطت الأم مغشيا عليها انخرط الجميع في البكاء و بعد أن افاقوا الأم ذهبوا جميعا إلى المشرحة اصرت الأم على أن ترى إبنها وجدته وقد استقرت رصاصة في رأسه دفن عمر ودفن معه الأمل والفرحة والإبتسامة لم تعش الأم طويلا بعد فراق ابنها فقد اجبرتها الفتاة على الذهاب إلى حفل قيل عنه انه لتكريم اهالي الشهداء فإذا بضابط من عمر فقيدها يتطاول عليها و يسبها ولما حاولت ان ترد عن نفسها الإساءة إذ به يضربها حينها علمت ان ابنها قد ضاع هدرا وظلت تبكي طوال الليل ولما طلع الفجر دخل ابنتها لتوقظها لكي تصلي لكنها وجدتها قد فارقت الحياة وكأن الله قد استجاب لدعائها فجمعها بحبيب قلبها كما كانت تدعوه بعد ايام قليلة من رحيله ظلت الفتاة وحيدة حزينة لم يتبقى لها سوى معاش الشهيد معاش رآه المسؤولين تعويضا مناسبا لمن ضحوا بحياتهم لأجل حرية وطن لم يتحرر .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق